سياسات الحكومة الصينية تجاه قطاع البطاريات والتخزين

قدمت الصين خلال العامين الماضيين رسالتين تبدوان متناقضتين بشأن أنظمة تخزين الطاقة في مشاريع الطاقة الشمسية، إلا أن الواقع يشير إلى أن السياسة لم تتراجع عن دعم التخزين، بل غيّرت آلية فرضه. فبعد إلغاء شرط “التخزين الإلزامي” بقرار إداري في عام 2025، عاد التخزين اليوم ليصبح جزءاً أساسياً من متطلبات الربط الفني بالشبكة، وهو تحول قد يعيد إحياء عشرات الجيجاواط من المشاريع المتوقفة، ويمنح قطاع التخزين دفعة جديدة.

التخزين يعود… ولكن عبر البوابة الفنية

في مطلع عام 2025، أصدرت الصين الوثيقة رقم (136)، التي أنهت العمل بسياسة فرض أنظمة التخزين على مشاريع الطاقة المتجددة كشرط إداري للحصول على الموافقات أو الربط بالشبكة. وقد اعتُبر القرار آنذاك تحولاً كبيراً، إذ خفّض تكلفة تطوير مشاريع الطاقة الشمسية، وشجع العديد من المستثمرين على إعادة دراسة مشاريعهم دون الحاجة إلى إضافة بطاريات مرتفعة التكلفة.

لكن في 18 يونيو 2026 دخل حيز التنفيذ الإصدار الجديد من دليل تقييم قدرة شبكات التوزيع على استيعاب مصادر الطاقة الموزعة (DL/T 2041-2025)، ليعيد التخزين إلى الواجهة، ولكن هذه المرة من منظور هندسي وليس إداري.

فاللائحة الجديدة لا تنص على “إلزامية التخزين”، لكنها تربط القدرة المسموح بربطها بالشبكة بوجود أنظمة تخزين قادرة على تحسين استقرار الشبكة ورفع قدرتها الاستيعابية.

كيف تغيّر قواعد اللعبة؟

وفقاً للمعايير الجديدة:

  • المشاريع الشمسية من دون تخزين لا ينبغي أن تتجاوز نسبة تحميل شبكة التوزيع المحلية نحو 80%.
  • عند إضافة نظام تخزين بقدرة لا تقل عن 15% من قدرة المحطة ولمدة ساعتين، يمكن رفع الحد إلى 85-90%.
  • ومع استخدام التخزين إضافة إلى أنظمة التحكم الذكية، يمكن أن تصل نسبة التحميل إلى 95%.

ورغم أن الفارق يبدو صغيراً على الورق، إلا أنه عملياً يسمح بزيادة كبيرة في القدرة المركبة والإنتاج السنوي للطاقة، بينما تصبح المشاريع التي لا تتضمن تخزيناً محدودة السعة أو قد لا تحصل على موافقة الربط أساساً.

وبذلك انتقل التخزين من كونه شرطاً حكومياً إلى متطلباً فنياً تفرضه طبيعة تشغيل الشبكة.

لماذا تعد القواعد الفنية أكثر تأثيراً؟

يمكن تعديل القرارات الإدارية أو تأجيل تطبيقها أو منح استثناءات لها، أما معايير الربط الفنية فلا تتيح مثل هذه المرونة.

فشركة تشغيل الشبكة لا تنظر إلى السياسات، بل تتحقق من استيفاء المتطلبات الفنية. وإذا لم يحقق المشروع شروط الربط فلن يحصل على تصريح الاتصال بالشبكة، بغض النظر عن رغبة المستثمر أو السلطات المحلية.

ولهذا بدأت العديد من المقاطعات الصينية في ترجمة هذه المعايير إلى تعليمات تنفيذية أكثر وضوحاً.

فعلى سبيل المثال:

  • في خفي أصبح من المعتاد اشتراط أنظمة تخزين قد تصل إلى 100% من قدرة المشروع ولمدة ساعتين في بعض المناطق ذات الشبكات المزدحمة.
  • وفي جيانغسو أصبح تشغيل نظام التخزين أحد عناصر قبول المشروع قبل الربط.
  • أما تشجيانغ فقد بدأت بتقديم حوافز إضافية للمشاريع التي تجمع بين الطاقة الشمسية والتخزين، مع منحها أولوية في تجارة الكهرباء الخضراء.

أكثر من 50 جيجاواط قد تعود للحياة

تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 50 جيجاواط من مشاريع الطاقة الشمسية التي تعثرت سابقاً بسبب محدودية قدرة الشبكات على الاستيعاب يمكن أن تعود للتنفيذ بفضل النظام الجديد.

لكن هذه العودة لن تكون مجانية.

فإذا افترضنا أن متوسط نسبة التخزين المطلوبة يتراوح بين 15 و20%، فإن ذلك يعني حاجة السوق إلى ما بين:

  • 7.5 – 10 جيجاواط من أنظمة التخزين.
  • 15 – 20 جيجاواط ساعة من البطاريات.

وبحسب الأسعار الحالية، قد تتجاوز قيمة معدات التخزين وحدها 180 إلى 240 مليار يوان، بينما قد يتخطى إجمالي الاستثمار عبر سلسلة القيمة 300 مليار يوان.

انتقال تكلفة استقرار الشبكة

تعكس هذه السياسة تحولاً مهماً في فلسفة إدارة الشبكات الكهربائية.

ففي السابق، كانت شركات الشبكات تتحمل مسؤولية معالجة آثار دمج الطاقة المتجددة، أما اليوم فأصبح المطور مطالباً بتوفير الحل الفني الذي يضمن استقرار الشبكة، وأبرز هذه الحلول هو التخزين.

وبذلك انتقلت تكلفة ضمان استقرار الشبكة تدريجياً من شركة الكهرباء إلى مطور المشروع، وهو ما يعرف اقتصادياً بـ”تحميل المنتج تكلفة الأثر الذي يسببه”.

تأثير مباشر على المطورين وشركات التخزين

هذا التحول سيغير أيضاً طبيعة سوق التخزين.

فمطورو المشاريع الشمسية أصبحوا مطالبين بفهم تصميم أنظمة التخزين، واستراتيجيات إدارة الطاقة (EMS)، وحساب السعات المناسبة منذ المراحل الأولى للمشروع، وليس باعتبارها إضافة اختيارية لاحقاً.

وفي المقابل، ستجد شركات تصنيع أنظمة التخزين نفسها أمام شريحة جديدة من العملاء، لا تبحث فقط عن أفضل عائد اقتصادي من البطاريات، بل عن حل يضمن اجتياز متطلبات الربط بالشبكة.

منظومة متكاملة للطاقة الخضراء

ولم يقتصر التغيير على جانب إنتاج الكهرباء.

فبعد أيام قليلة من تطبيق معايير الربط الجديدة، أصدرت السلطات الصينية لوائح جديدة تلزم القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة برفع نسبة استهلاكها من الطاقة المتجددة، بما يشمل استخدام الكهرباء الخضراء والهيدروجين الأخضر والأمونيا والميثانول والوقود المستدام للطيران.

وبذلك أصبحت السياسة الصينية تعمل على محورين متوازيين:

  • تسهيل دمج الكهرباء المتجددة في الشبكة من خلال التخزين.
  • زيادة الطلب على الطاقة المتجددة من جانب المستهلكين الصناعيين.

خلاصة

تكشف التطورات الأخيرة أن الصين لم تتراجع عن دعم أنظمة تخزين الطاقة، بل أعادت صياغة دورها. فبدلاً من فرض التخزين بقرار إداري، أصبح وجوده مرتبطاً بالقدرة الفعلية على ربط المشاريع بالشبكة الكهربائية.

وهذا التحول قد يفتح الباب أمام إعادة تشغيل نحو 50 جيجاواط من مشاريع الطاقة الشمسية المتعثرة، وفي الوقت نفسه يخلق موجة استثمارية جديدة بمليارات اليوانات في قطاع التخزين.

وبالنسبة لسوق الطاقة الشمسية، فإن السؤال لم يعد: هل يجب إضافة نظام تخزين؟ بل أصبح: ما هو حجم التخزين المطلوب للحصول على حق الربط بالشبكة؟ وهو تغير يعكس انتقال التخزين من خيار استثماري إلى عنصر أساسي في البنية الفنية لمشاريع الطاقة المتجددة في الصين.